كمال الدين دميري
242
حياة الحيوان الكبرى
من يزور ذلك المسجد من المسلمين ، فإذا قدم زائر ، أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة ، وصاح صيحة ، وإذا قدم اثنان صاح صيحتين ، وهكذا كلما وصل زوار صاح على عددهم ، فتخرج الرهبان بطعام يكفي الزائرين . وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب ، وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غرابا على تلك القبة ، ولا يدرون من أين يأكل أو يشرب . عجيبة أخرى : قال أبو الفرج المعافى بن زكريا ، في كتاب الجليس والأنيس له : كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسن فجئنا على العادة فجلسنا عند بابه ، وإذا أعرابي جالس كانت له حاجة ، إذ وقع غراب على نخلة في الدار فصرخ ثم طار ، فقال الأعرابي : إن هذا الغراب يقول : إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام ، قال : فزجرناه فقام وانصرف ، ثم خرج الإذن من القاضي إلينا فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما ، فقلنا له : ما الخبر ؟ فقال : رأيت البارحة في النوم شخصا يقول : منازل آل عباد بن زيد على أهليك والنعم السلام وقد ضاق صدري لذلك ، فدعونا له وانصرفنا . فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن . قال القاضي أبو الطيب الطبري : سمعت هذه الحكاية من لفظ شيخنا أبي الفرج المذكور . عجيبة أخرى : قال يعقوب بن السكيت : كان أمية بن أبي الصلت في بعض الأيام يشرب ، فجاء غراب فنعب نعبة ، فقال له أمية : بفيك التراب ، ثم نعب أخرى ، فقال له أمية : بفيك التراب . ثم أقبل على أصحابه ، فقال : أتدرون ما يقول هذا الغراب ؟ زعم أني أشرب هذا الكأس فأموت ، وأمارة ذلك أنه يذهب إلى هذا الكوم فيبتلع عظما فيموت . قال : فذهب الغراب إلى الكوم فابتلع عظما فمات ثم شرب أمية الكأس فمات من حينه أه . قلت : وأمية بن أبي الصلت الكافر مذكور في مختصر المزني والمهذب وغيرهما ، في كتاب الشهادات . وسمع النبي صلى اللَّه عليه وسلم شعره الذي فيه حكمة واقراره بالوحدانية والبعث . واسم أبي الصلت عبد اللَّه بن ربيعة بن عوف وكان أمية يتعبد في الجاهلية ، ويؤمن بالبعث وينشد في ذلك الشعر الحسن وأدرك الإسلام ولم يسلم . وروى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن الشريد بن سويد رضي اللَّه تعالى عنه ، قال : ردفت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يوما فقال : « هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء » « 1 » قلت : نعم . فقال : « هيه » فأنشدته بيتا ، فقال : « هيه » ثم أنشدته بيتا . فقال : « هيه » حتى أنشدته مائة بيت فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « إن كاد ليسلم » . وفي رواية : « لقد كاد أن يسلم بشعره » وإنما قال صلى اللَّه عليه وسلم ذلك لما سمع قوله : لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا فلا شيء أعلى منك حمدا وأمجد وفي مسند الدارمي ، من حديث عكرمة ، عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال : صدّق النبي صلى اللَّه عليه وسلم أمية بن أبي الصلت في أبيات من شعره في قوله « 2 » :
--> « 1 » رواه ابن ماجة : أدب 41 . ومسلم : شعر 1 ، وابن حنبل 4 - 388 . « 2 » العقد الفريد : 5 / 277 . وكذلك البيت السابق والبيتان اللاحقان .